| |
|
حين قرّرت الولايات المتحدة بيع ألف قنبلة لإسرائيل قادرة على تدمير المباني والمنشآت، وعندما زوّدتها بمليون قنبلة عنقودية قبل أيام من انتهاء حربها على لبنان لتحصد أجساد وحياة الأبرياء من المدنيين العرب، لم نسمع كلمة اعتراض دولية واحدة، ولم يسافر آلاف اليمينيين الأوروبيين الغاضبين من «انتشار الإسلام» ليقيموا مظاهرة ضدّ قنابل أثبتت فتكها بالأطفال والنساء والرجال الأبرياء خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006. ورغم أنّ مئات من الأطفال والنساء والرجال، منذ ذلك الحين، قد فقدوا حياتهم، أو طرفاً من أجسادهم، حتى بعد انتهاء ذلك العدوان، فإنّ ضمير العالم الغربيّ لم يتيقّظ لخطورة هذه الحرب المستمرّة على حياة البشر. ولكنّ قرار بناء جامع في مدينة كولون الألمانية، كي يذهب المسلمون، الأوروبيون أو المهاجرون إليها، لأداء فريضة الصلاة فيه، أثار ذعر وغضب واحتجاج المئات من اليمين الأوروبي، فانتقلوا من فرنسا وبلجيكا وسويسرا وهولندا للتظاهر ضدّ بناء جامعٍ يُعبد فيه الله الواحد الأحد، حاملين لافتات كُتب عليها «أوقفوا انتشار الإسلام». وفي منظر مشابه ومنذ بداية رمضان الكريم، وخاصّة منذ الجمعة الأولى في رمضان، تصلنا صور آلاف الفلسطينيين التوّاقين لأداء الصلاة في المسجد الأقصى، بينما تقف لمنعهم، دون أيّ مبرّر أمني، جحافل من الجنود الإسرائيليين المدجّجين بكلّ أنواع السلاح، فتسقط سيدة عربية تقدّم بها العمر شهيدة القمع الوحشيّ لهؤلاء الجنود الذين ارتكبوا، كعادتهم، جريمة قتلها ضرباً حتى الموت. والغريب هو أنّ الانطباع الذي يروّجه الإعلام الغربي هو أنّ هذه العجوز الفلسطينية العزلاء من كلّ سلاح، أو هؤلاء المدنيين العرب من المصلّين القادمين إلى أحد أقدس المساجد لدى المسلمين فقط للركوع والسجود والدعاء لله عزّ وجلّ، يُنظر إليهم وكأنهم مصدر الخطر، ويرفض كلّ هؤلاء الإعلاميين والسياسيين الغربيين أن يروا تلك القنابل الفتّاكة، وجرائم الجيوش الغربية الغازية، وعنف أولئك الجنود الإسرائيليين والأمريكيين المدجّجين بكلّ أنواع الأسلحة الفتّاكة، والذين لا يتردّدون باستخدامها في التنكيل والقتل. أما نحن الضحايا فنراهم كلّهم مصدر الخطر، وهم المعتدون، وهم المحتلّون، وهم الذين ينشرون الرّعب والإرهاب ضدّ المدنيين الأبرياء فيبيدون عوائل كاملة بالقصف الجويّ، وينكّلون بالذين يرغبون بأداء الصلاة إلى الباري عزّ وجل في هذا الشهر الفضيل في مسجدهم. والغريب في الأمر هو أنّ هذا الغرب الذي يحاضر دائماً على الشرق بضرورة معاملة المرأة المسلمة بشكل أفضل، هو ذاته الذي يعامل المرأة والرجل المسلم أسوأ معاملة إنسانية، ويُحاول حرمان كلّ المسلمين نساءً ورجالاً من أبسط حقوقهم الإنسانية والروحية. فهل أبسط من حقّ الإنسان في الصلاة في مسجد يخصّه؟ وهل أجمل من توق الإنسان إلى لقاء وجه ربه؟ أما إذا كان الجواب بأنّ بعض المتطرّفين استغلوا الجوامع لتنظيم أعمال عنف، فإني أشتبه بالحركات المتطرفة في كلّ الأحوال حيثما كانت، وأنّى كان مقصدها، ومن أيّ دين كان. فالإسلام هو دين التسامح والاعتدال، وهو الدين الذي حرّم قتل النفس الإنسانية، والذي اعتبر أنّ «أكرمكم عند الله أتقاكم». فبإسم أيّ إسلام يتصرّف المتطرّفون والمتعصبون والكارهون؟ ومن خلال مراقبة ما جرى وما يجري منذ أحداث الحادي عشر من أيلول على مستوى المتطرّفين والردود السياسية ضدّ المسلمين، يستنتج أيّ عاقل أنّ هناك رابطاً وثيقاً بين ما يقوم به المتطرّفون من أعمال عنف، وبين ما يقوم به أعداء الإسلام من جرائم وحشية ضدّ المدنيين المسلمين الأبرياء. وإذا كان الغرب اليوم يدير معظم حروبه عن طريق الاختراقات المخابراتية، وشراء الذمم، فليس من المستغرب أبداً أن يكون التطرّف الذي نشهده في ديارنا أو باسمنا، والذي استُخدم ذريعة من قبل المتطرّفين اليمينيين من المحافظين الجدد، المشبعين بالتطرّف الديني أو تكفير أتباع الأديان الأخرى، وخاصّة المسلمين، لمحاربة المسلمين، واستصدار القوانين العنصرية ضدّهم، وحرمانهم من حقوقهم في الغرب، وشنّ الحروب الوحشية ضدّهم في الشرق. ليس من المستغرب أبداً أن يكون هذا التطرّف مصاب بأهمّ اختراق حقّقه أعداء العرب بين ظهرانيهم، خاصّةً وأنّ حركات التطرّف كانت مزروعة في بلداننا قبل أحداث الحادي عشر من أيلول لمحاربة النهضة العربية من أجل الوحدة، فكم قتل المتطرّفون من المفكّرين العرب، وكم زرعوا القنابل في أسواقنا وشوارعنا؟. |








