غزة
سياسية اجتماعية فكرية
معاناة امرأة حديدية

من حيث المبدأ ، أقرّ بأن لا شماتة بالمصاب بأي مرض . ومن هذا المنطلق أقف أمام النبأ القائل بأن من كانت تعرف بالمرأة الحديدية في ثمانينات القرن لماضي ، السيدة مارغريت تاتشر ، تعاني حاليا وهي في الثالثة والثمانين من عمرها  من داء الخرف ، وبالتالي من داء النسيان ، أقف متأملا لا أكثر .
في حياة السياسيين، كما في حياة الناس العاديين، كثيرا ما نقرأ أن داء كهذا الداء أصابهم وقلما يعرف السبب . ولكن هل هذا الاستنتاج يقارب الحقيقة ؟
مهما يكن من سبب ، ففي اعتقادي أن يصاب المرء بهذا الداء خير من أن يصاب بداء وعي المآسي التي سببها للغير خلال سنوات حكمه إن كان سياسيا مسئولا في مستوى السيدة تاتشر على سبيل المثال ، أو كان حاكما أو إقطاعيا أو ثريا  الخ . أقول ذلك لأن النسيان في مثل هذه الحالة يكون بمثابة الدواء للمصاب بداء الخرف ، وعلى هذا النحو قد ينجو من التعرض للحظة الانتحار أو هجرالدار إلى غير رجعة خجلا أو خوفا من عملية انتقام منه لقاء ما ارتكب بحق أبناء بيئته ، وهو بكامل وعيه بينهم في وقت من الأوقات .
والسيدة تاتشر ليست الأنموذج الفريد في  هذا المجال . فقبل تاتشر دخل نفق الخرف أرئيل شارون ، وقبلهما قاذف القنبلة الهيدروجينية على مدينة هيروشيما بأمر من الرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان وأيضا بطل مجزرة جرت في فيتنام أيام مقاومة قوات الاحتلال ، وهكذا إلى آخر هذه المنظومة التي تشهد لأناس كانوا أسوياء إلى أن دفعتهم ظروفهم أوهم صنعوها ليكونوا شهودا على أن التاريخ لا يرحم أمثالهم بشكل أو بآخر فيكون عقابهم على نحو ما .
في حالة السيدة تاتشر تقول ابنتها كارول أن والدتها مارغريت هي في أسوأ أيامها وأنها تجد صعوبة في إكمال عباراتها  وأنها تردد الأسئلة مرات ومرات دون أن تدرك ذلك ، حتى أنها نسيت وفاة زوجها في عام 2003 ولا تزال تسأل عنه . وتضيف كارول في كتاب يروي سيرة والدتها أنها في إحدى المرات كادت تسقط من فوق مقعدها وهي ترى أمها تعاني من أجل أن تستعيد ذاكرتها ولم تكد تصدق ما يحدث .
وما حدث ربما ، ولست جازما فيما أستنتج ، ربما كان بسبب تبكيت الضمير وهي تستذكر حربها التي شنتها ضد جزر الفوكلاند في العام 1982 ردا على بدء غزو الأرجنتين العسكري لهذه الجزر ، التي أعلنت الأرجنتين سيادتها عليها في العام 1816 بصفتها الوريث الوحيد لأسبانيا في المنطقة ، وأيضا بسبب رفض سكان الأرجنتين ، في استفتاء شعبي عارم ،  اقتراحا بريطانيا يدعو إلى الاعتراف بسيادتها على الجزر مقابل تخلي الأرجنتين عنها لمدة تسعين عاما ، فكان قرار الحرب الظالمة ضد الأرجنتين وأهل جزر الفوكلاند في آن .
وأكرر التخمين بأنه ربما بسبب صور المآسي التي عكستها الشاشات الفضائية وشاهدتها السيدة تاتشر مثلما شاهدها ملايين الناس في مختلف أرجاء العالم ، بدأت تعاني من داء الخرف الذي ينسي صاحبه حتى نفسه . ومن هنا ترديد العبارات أو عدم إكمالها أو نسيان أسماء أقرب الناس إليها وسوى ذلك . وفي كل الأحوال ، قد يكون سبب الإصابة بالمرض دافعه نفسي ، غالبا ما يغلب صاحبه ، في حالة رفض الاعتراف بواقع الأمس الذي صنعه بدافع الانتقام أو الجشع وما إلى ذلك ، فتبدأ حينئذ معاناته وصولا إلى رفض واقع الأمس والحاضر معا



Add a Comment



Add a Comment

<<Home